محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يأوى إلى ركن من الأركان * في عدد طيس ومجد بان وقيل : إن لوطا لما قال هذه المقالة وجدت الرسل عليه لذلك . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد ، أنه سمع وهب بن منبه يقول : قال لوط : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ فوجد عليه الرسل وقالوا : إن ركنك لشديد القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا يقول تعالى ذكره : قالت الملائكة للوط لما قال لوط لقومه لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ورأوا ما لقي من الكرب بسببهم منهم : يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ أرسلنا لإهلاكهم ، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه ، فهون عليك الأمر ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ يقول : فأخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل ، يقال منه : أسرى وسرى ، وذلك إذا سار بليل . وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ واختلفت القراءة في قراءة قوله : فَأَسْرِ فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين : " فأسر " وصل بغير همز الألف من " سرى " . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة : فَأَسْرِ بهمز الألف من " أسرى " والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة في القراءة ، وهما لغتان مشهورتان في العرب معناهما واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك . وأما قوله : إِلَّا امْرَأَتَكَ فإن عامة القراء من الحجاز والكوفة ، وبعض أهل البصرة ، قرءوا بالنصب إِلَّا امْرَأَتَكَ بتأويل : فأسر بأهلك إلا امرأتك ، وعلى أن لوطا أمر أن يسري بأهله سوى زوجته ، فإنه نهي أن يسري بها ، وأمر بتخليفها مع قومها . وقرأ ذلك بعض البصريين : " إلا امرأتك " رفعا ، بمعنى : ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ، فإن لوطا قد أخرجها معه ، وإنه نهي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفت سوى زوجته ، وأنها التفتت فهلكت لذلك . وقوله : إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ يقول : إنه مصيب امرأتك ما أصاب قومك من العذاب . إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ يقول : إن موعد قومك الهلاك الصبح . فاستبطأ ذلك منهم لوط ، وقال لهم : بلى عجلوا لهم الهلاك ا فقالوا : أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ أي عند الصبح نزول العذاب بهم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ أي إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه ، فامض لما تؤمر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، قال : فمضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط ، فلما أتوا لوطا ، وكان من أمرهم ما ذكر الله ، قال جبرئيل للوط : يا لوط إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ فقال لهم لوط : أهلكوهم الساعة فقال له جبرئيل عليه السلام : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فأنزلت على لوط : أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ قال : فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته . قال : فسار ، فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ، فجعل عاليها سافلها ، وأمطر عليها حجارة من سجيل ، قال : وسمعت امرأة لوط الهدة ، فقالت : وا قوماه فأدركها حجر فقتلها حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن حفص بن حميد ، عن معمر بن عطية ، قال : كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئا من سر أضيافه ، قال : فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه ، رأتهم في صورة لم تر مثلها قطا فانطلقت تسعى إلى قومها ، فأتت النادي فقالت بيدها هكذا ، وأقبلوا يهرعون مشيا بين الهرولة والجمز . فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله في كتابه ، قال جبرئيل : يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ قال : فقال بيده ، فطمس أعينهم ، فجعلوا يطلبونهم ، يلمسون الحيطان وهم لا يبصرون حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن حذيفة ، قال : لما بصرت بهم يعني بالرسل عجوز السوء امرأته انطلقت